جان لوئيس بوركهارت
219
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
الأطراف ، ثم يطوى كل سير منها بحيث يلتئم طرفاه ويكونان أنبوبة تربط رباطا وثيقا وتترك في الشمس لتجف . ولا بد من ذلك هذه الكرابيج بالسمن أو الشحم لتصبح لدلة طيعة . وتباع في شندى بسعر اثنى عشر كرباجا أو ستة عشر للريال الإسبانى . أما في مصر ، حيث يكثر استعمالها وحيث يبعث مرآها الفزع في أفئدة الخدم والفلاحين ، فثمن الواحد منها من نصف ريال إلى ريال . وهي في الأجواء الباردة - حتى جو سوريا - تصبح قصمة وتتشقق وتفقد لدونها . وتكثر التماسيح حول شندى ، وقد لحظت على وجه العموم أن هذا الحيوان يلتزم من النيل مناطق خاصة قل أن يجلو عنها . فهو قد اختفى مثلا من دلتا النيل اختفاء تاما مع أنه لا يوجد عائق معقول يعوقه عن الانحدار إليها مع النهر ، أما في الصعيد فآثر البقاع عنده اليوم إخميم ودندرة وأرمنت وأدفو ، وقل أن تراه فيما بين هذه البلاد . كذلك شأنه في بلاد النوبة حول دنقلة . وفي بربر لا يخشى أحد أن يلقى في النهر تمساحا ، وكثيرا ما سبجنا فيه هناك وأوغلنا إلى وسطه ، أما في شندى فالتماسيح تلقى الرعب في قلوب الناس ، فالعرب والعبيد والنسوة الذين يقصدون شاطىء النهر القريب من المدينة صباح مساء ليغسلوا ملابسهم يجب ألا تغفل لهم عين ، أما السابحون منهم في مياه النهر فيحذرون التوغل فيها . وقد شهدت غير مرة ظهور التمساح على القوم ورأيت مبلغ ما يلقيه مرآه من هلع في قلوبهم فيرتدون جميعا إلى البر في لمح البصر . وفي أثناء مكثى بشندى اقتنص التمساح رجلا أشاروا عليه بالسباحة في النهر بعد إبلاله من الجدري ففتك به . وكثيرا ما يؤتى إلى سوق سنار بالتماسيح فيباع لحمها فيها . وقد ذقت هذا اللحم مرة بإسنا ، ولونه أبيض مربدّ لا يختلف عن لون لحم العجل ، وفي رائحته أثر من رائحة السمك . وقد صاد هذا التمساح بعض الصيادين بشبكة قوية ، وكان طوله يزيد على اثنتي عشرة قدما . وأمر حاكم إسنا فجىء به إلى فناء داره ، وأطلقت عليه أكثر من مائة رصاصة دون أن تصيب منه مقتلا ، وأخيرا طرحوه على ظهره وأفرغوا مرودا صغيرا من الرصاص في بطنه ، وهو أرق جلدا من ظهره . وقل أن يصطاد عرب شندى السمك ، ويبدو أنهم لا يعرفون الشباك ، ولكن أطفالهم يتلهون بصيد السمك بالسنانير .